هل نحن بحاجة إلى أنْسنة علم الكلام؟

محمد جمال عبد النور
11/29/2016

هل نحن بحاجة إلى أنْسنة علم الكلام؟

محمد جمال عبد النور[1]

دَرَجَ المتكلمون في القديم على تقسيمِ علم الكلام تقسيما ثلاثيا على هذا النحو: الإلهيات والنبوات والسمعيات[2]. إلا أن ثَمَّةَ تيارٌ حديث يدعو إلى دمج قسم رابع لهذا التقسيم، ليصير تقسيما رباعيًا لا ثلاثيا، وذلك بإضافة قسم رابع وهو: الإنسانيات، وهو ما أطلق البعض عليه (أنْسَنَة علم الكلام)، وذلك جريا على النظام المعرفي الغربي الذي أصبحت فيه الثيولوجي -وهي رأس علوم الأديان في الغرب- علمًا يُدرس تحت الإنسانيات. تقوم هذه الفكرة على نقد القسمة الثلاثية القديمة لعلم الكلام، ويرون أنها كانت مناسبة حين كانت الشبهات تأتي هذه الجوانب الثلاثة من كل حدبٍ وصوبٍ، خاصة بعد عصر الفتوحات الإسلامية، أما اليوم فإن النموذج المعرفي الغربي -الذي يغزو العالم في كل أرجائه- قد جعل الإنسان محور الكون، ولذا نحن بحاجة إلى الاهتمام بدراسة القضايا الإنسانية التي لها بالأديان علاقة تحت علم الكلام.

يعالج الشيخ شبلي النعماني[3] هذا التحول المعرفي، ويرى أن على المتكلمين أن يتنبهوا لمجابهة هذا التحول الخطير الذي جاءت به الحداثة وما بعدها، حيث أصبح التأكيد الآن "على الأبعاد الأخلاقية والتاريخية والاجتماعية في الدين، وتتمحور الشبهات حول المسائل الأخلاقية والقانونية من الدين، وليس حول العقائد؛ فإن الباحثين الأوربيين يعتبرون الدليل الأقوى على بطلان الدين هي مسائل تعدد الزوجات، والطلاق، والأسرى، والجهاد"[4]. 

ولعل مما يمكن أن يُستَدَّل به لأصحاب هذا التوجه أن مفهوم (الرسالة أو النبوة) -الذي عليه مدار هذا العلم، إنما يستلزم تقسيما رباعيا لا ثلاثيا. جاء في المعجم الوسيط أن معنى (رسالة الرسول) في اللغة: "ما أُمِر الرسول بتبليغه عن الله، والرسالة هي دعوته الناس إلى ما أوحي إليه"[5].  والرسالة وكذا النبوة في الشرع: مأخوذة من الرسول والنبي، فالنبي هو: "إنسانٌ حرٌ ذكرٌ مِن بني آدم، سليم عن مُنَفِّرٍ طبعا، أُوحى إليه بشرع يُعمل به وإن لم يؤمر بتبليغه، وأما الرسول فيعرف بما ذُكر لكن مع التقييد بقولنا (وأُمر بتبليغه)"[6]. فإذا تقرر ذلك؛ كانت القسمة العقلية تقتضي أربعة أقسام لهذا العلم لا ثلاثة، هي:

1- مرسِل: وهو الله -تعالى-، وهو موضوع قسم (الإلهيات) من علم الكلام، وذلك من جهة دراسة ذاته وصفاته وأفعاله -تعالى-.

2- مرسَل: وقد عُني بدراسة هذا الجانب قسم (النبوات) من علم الكلام؛ إذ ذاك القسم يُعني بدراسة ما يجوز وما يجب وما يستحيل في حق الأنبياء والرسل.

3- مرسَلٌ به: وهو الجزء المتعلق بالسمعيات والغيبيات وما لله على الناس، ويندرج تحتها كذلك كل ما لا طاقة للعقل بمعرفته والوصول إليه دون وحي الله.

4- ثم يأتي مُتَمِّمُ القسمة العقلية، وهو القسم المغفول عنه -حسب زعم هذا التيار، وهو: المرسَلُ إليه؛ وهم الذين من أجلهم أُرسِلَت الرسل. فيقولون بأنه إذا كان القسم الثالث منوطك بدراسة ما جاءت به الرسل من عند الله، فإن هذا القسم منوط بدراسة الجهة الأخرى للأمر، وهم المرسل إليهم؛ فهي إذن علاقة ثنائية عندهم، كما قال الله -تعالى- (لِئَلّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسِلِ) "سورة النساء: 165". وأستطيع أن أُسمي هذا القسم بـقسم (الإنسانيات).  ولكن هل لهذا القسم (الإنسانيات) مُسْتَنَدٌ يستند إليه من كتابٍ أو سنة؟

قلتُ: إن ذلك يبدو واضحا للمتبع لنصوص الكتاب والسنة، التي لا تكاد تفصل بين القضايا الإلهية والقضايا الإنسانية، بل تناقش هذه في قلب تلك، نلمس ذلك واضحا جليا في آيات الوصايا العشر في سورة الأنعام: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ... وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) "الأنعام:151-152".

فها أنت ترى كيف ترتبط قضايا الإلهيات بقضايا الإنسانيات؛ فالشرك بالله مقرون بعقوق الوالدين، وقتل النفس، والوفاء بالكيل مقرون بعدم التكليف بما هو فوق الطاقة. بل جاءت السنة النبوية أيضا لتعضد منهج القرآن الكريم في ذلك؛ نلمس ذلك كذلك واضحا جليا في قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ رضي الله عنه: يَا مُعَاذُ! أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللّهِ عَلَى الْعِبَادِ وما حقُّ العبادِ عَلَى الله؟ قَالَ قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "فَإِنَّ حَقَّ اللّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوا اللّهِ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً. وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللّهِ -عَزَّ وَجَل- أَنْ لاَ يُعَذِّبَ مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً"[7]. فانظر كيف عَبَّر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوله: "حق الله على عباده، وحق عبيده عليه"، إذْ سماه حقا.

ويعذِر أصحابُ هذا الاتجاه الأقدمين في عدم اهتمامهم بمثل هذه القضايا؛ ذلك أنهم لم يكونوا أصلا بحاجة إلى مناقشتها، ذلك أن الإنسان "كان موجودا بالفعل، وهو حامل الوحي، وصانع الحضارة، وفاتح البلاد. ولكن التنزيه هو الذي كان موضع الخطر من الداخل، واتجاهات التأليه والتجسيم والتشبيه، أو من الخارج من الوثنية والشرك وتعدد الآلهة"[8].

اعتراض وتقديم بديل:

رغم إيماني بحاجتنا الماسة إلى معالجة القضايا التي طُرحت في مقدمة تلك المقالة، إلا أن هناك أمران مهمان:

أولهما: أني لا أُسَلِّمُ بأن المتكلمين قد أغفلوا جانب الإنسانيات؛ ذلك أن شِقًا كبيرا منه قد عالج مثل هذه القضايا قبل اتصال الثقافة الإسلامية بالثقافة اليونانية، بل كانت جل القضايا التي تناقَشُ فيه يومئذ تتجاذب الطرف بين الإلهيات والإنسانيات، مثال ذلك:

قضية أفعال الإنسان التي كثُر الجدال فيها بين الأشاعرة والمعتزلة، ترينا كيف أن المعتزلة قد أعْلَوْا فيها الجانب الإنساني على الجانب الإلهي؛ إذ أرجعوا أفعال الإنسان جميعا إلى قدرةٍ خاصةٍ بالإنسان لا إلى قدرة الله، وأما الأشاعرة فكانوا على النقيض من ذلك يرون الجانب الإلهي وراء هذه الأفعال، وقد أنشأوا في ذلك نظرية (الكَسْب)؛ موضحة كيف تكون العلاقة بين فعل الله -تعالى- وفعل العبد. ويتبين لمن تتبع منهجهم أنهم وإن كانوا يُعلون جانب الإلهيات على جانب الإنسانيات، إلا إنهم لا يلغون جانب الإنسانيات، بل يسعون دوما للتوفيق بين الجانبين بما يتوافق مع النقل ولا يُلغِي حكم العقل.

ولكن لَمَّا كان علم الكلام علما واقعيا يعالج القضايا التي يعانيها المجتمع، ويسعى أن يكون صورة معكوسة لما يناقَش في أرض الواقع، وكانت القضايا المثارةُ يومئذٍ وثيقة الصلة بالفلسفة اليونانية، التي هي بذاتها كانت فلسفة متعالية على الإنسان، تسعى إلى الغوص في المعاني الدقيقة التي لا تهم إلا خواص الناس، ونُقِلت هذه العلوم إلينا وكانت علوما متصلة بالميتافيزيقا أكثر من اتصالها بالفيزيقا، اهتم علم الكلام بتحديد موقعه وموقفه من قضاياها والرد عليها.

والذي أطرحه هنا هو توليد فروعٍ جديدةٍ لعلم الكلام دون أن نعبث ببنائه الذي شيده الأقدمون وأوفوا فيه على الغاية. إنَّ نظرةً سريعة في أمهات علوم الشرع لترينا كيف أن هناك: (علوم قرآن) و(علوم حديث)، .... الخ، ولكن ليس ثمة شيء يسمى بـ (علوم الكلام)، على حين أنه الأحوج إلى توسيع فروعه وتعديد مجالاته؛ إذ منه تنبثق بقية علوم الشرع كما قال الغزالي[9]. ومِن هنا أرى أن الوقت ليس فقط قد حان، بل تأخر، ليتفرع من علم الكلام علوما أُخَرَ تندرج تحت لوائه. ولعل محاولة شيخنا الدكتور حسن الشافعي في كتابه: (مقدمة تأسيسية لعلم القواعد الاعتقاد)، خطوة مباركة في هذا الصدد، حيث يقول:

"إن الفكرة -أي توليد فروع كلامية جديدة- كما ترون قديمة؛ لكنها لم تَجِد -للأسف طوال سبعة قرون- من يُنَمِّيها ويبني عليها، كما فعل أهل الفقه العملي، فاستوى لهم علم (القواعد الفقهية)، فرعا أصيلا في دوحة الفقه، تنبُت منه فروع وأغصان جديدة كالأشباه والنظائر والفروق، بل إن العمل في ميدان المقاصد الآن هو أيضا ثمرة هذا التوسع في (قاعدة المصالح) من الأحكام، كما وضعها العز بن عبد السلام في (قواعد الأحكام) وبنى على ذلك ابن السبكي، صاحب (الأشباه والنظائر) ... ومالكيةٌ عباقرةٌ من أمثال الشاطبي -سيد هذا المجال، فرفعوا الراية وأوفوا على الغاية. وجاء مالكيةُ عصرِنا ليكتبوا فصلًا جديدًا في (علم المقاصد) وما هو إلا فرع من القواعد، ولله في فتوحاته شئون"[10].



[1] مدرس مساعد بكلية أصول الدين، جامعة الأزهر، وباحث دكتوراه بكلية الدراسات الشرقية والأفريقية SOAS، جامعة لندن

[2] الاقتصاد في الاعتقاد، أبو حامد الغزالي، دار البصائر، الطبعة الأولى، 1430هـ-2009م، 494-500.

[3] هو شبلي حبيب الله بن سراج الدولة النعماني، وُلد في قرية بندول من أعمال أعظم كره بالهند عام 1857م، كان فصيحا بالعربية والفارسية والتركية والفارسية والأوردية، وعمل في جامعة عليكرة، وشارك في تأسيس "ندوة العلماء" بـ لكنو، ومن أهم مؤلفاته: "انتقاد تاريخ التمدن الإسلامي"، "سيرة الفاروق عمر بن الخطاب"، "السيرة النبوية"، "شعر العجم"، ولمحمد أكرم الندوي: شبلي النعماني: علامة الهند الأديب والمؤرخ الناقد الأريب"، توفي عام 1914م. (انظر: مقدمة علم الكلام الجديد، شبلي النعماني، ترجمة. د. جلال السعيد الحفناوي، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2012م).

[4] علم الكلام: ضرورات النهضة ودواعي التجديد، مجلة الحياة الطيبة، بيروت، الطبعة الأولى، 1424هـ-2004م، ص. 32.

[5] المعجم الوسيط، حرف الراء، كلمة رسالة.

[6] حاشية الإمام البيجوري على جوهرة التوحيد للقاني، تحقيق د. على جمعة، دار السلام، الطبعة الأولى، 1422هـ-2002م، 33.

[7] أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى، حديث رقم: 7373.

[8] التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم، د. حسن حنفي، المؤسسة الجامع للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، الطبعة الرابعة، 1412هـ-1992، 132-133.

[9] المستصفى في علم الأصول، محمد بن محمد الغزالي، مصر، 1322هـ، ج1، 5-6.

[10] مقدمة تأسيسية لعلم القواعد الاعتقادية، أ. د. حسن الشافعي، ذخائر الوراقين، مصر، الطبعة الأولى، 1437هـ-2016م، 7-8. (بتصرف يسير).



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة