عصف مأكول وجرف صامد

طارق عثمان
7/20/2014

عصف مأكول وجرف صامد:

في الدلالات السياسية لجولة جديدة بين إسرائيل وحماس

 

"إن الواقعة الأولى التي يشهد عليها التاريخ هي إرادة القوة،

بما هي إرادة الحياة ذاتها". (نيتشه)

مقدمـــة

منذ صلح وستفاليا[1] كان ينظر إلى الدولة القومية الحديثة بوصفها الوحدة السياسية الوحيدة، التي يتمحور حولها الفعل السياسي البشري في كليته. ولكن الحال قد تغير منذ أن صرنا نحيا في عالم ما بعد حديث؛ لقد أنزلت الدولة الحديثة بما هي أداة احتكار مطلق للقوة من على عرشها؛ لقد أصاب ليفياثان هوبز[2] الوهن إذن، ولم يعد الفعل السياسي حكرًا على الدولة التنين. فثمة نمط جديد من الفاعلين قد بزغ لينافسها في حق تملك القوة، إنه ما بات يعرف في الأدبيات السياسية بـ"الفاعلين من غير الدول" [3]non-state actors (NSAs). فما هو كنه هذا الفاعل يا ترى؟

الحق أنه ليس ثمة تعريف مجمع عليه للفاعلين من غير الدول، ربما يرجع ذلك في جزء منه لحداثة الاهتمام النظري به في حقل العلوم السياسية والعلاقات الدولية تحديدًا. وفي جزء ثانٍ إلى تعدد أشكال هذا الفاعل بحسب المعايير التي يمكن تصنيفه على أساسها. وربما في جزء أخير إلى كون التعاطي مع الفاعلين من غير الدول كان مشوبًا بتحيزات أيديولوجية خاصة بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001[4].

ولكن بمقدور المرء على أية حال أن يستخلص بعض السمات الرئيسة التي تحدد بدرجة أو بأخرى كنه الفاعلين من غير الدول:

§        كيان منظم يمتلك هيكل للقيادة؛

§        يحظى بقدر كبير من الاستقلالية عن سيادة الدولة:

§        يمثل ويعبر عن جماعة معينة إثنية أو هويّاتية أو أيديولوجية؛

§        له أهداف سياسية معينة يسعى لتحقيقها؛

§        يملك القوة (صلبة أو ناعمة) التي تؤهله لتحقيق هذه الأهداف؛

§        ومن ثم هو يؤثر على سياسة الدولة، وقد يمتد للتأثير على السياسة الدولية نفسها.

إنطلاقًا من هذه السمات يتم تقسيم الفاعلين من غير الدول على أساس معايير عدة ولكن أهمها معيارين:

(1) التسليح: وعلى أساسه ينقسم الفاعلين من غير الدول إلى: فاعلين من غير الدول عنيفينVNSAs أو مسلحين ANSAs. وفاعلين من غير الدول سلميين أو غير مسلحين.

(2) نطاق الفعل: وعلى أساسه ينقسم الفاعلين من غير الدول إلى: فاعلين محليين؛ أي أن نطاق عملهم لا يمتد خارج الدولة. وفاعلين دوليين؛ أي أن نطاق عملهم يمتد إلى خارج الدولة.

وبناءًا عليه يدخل تحت مسمى الفاعلين من غير الدول الكثير من الكيانات، ولعل أهمها:

§        الشركات متعددة الجنسيات أو قل العابرة للقوميات [5]multinational corporations (فاعل دولي غير مسلح)

§        شركات الأمن الخاصة[6] (فاعل دولي مسلح)

§        حركات التمرد والانفصال[7] (فاعل محلي مسلح)

§        المنظمات الدولية غير الحكومية[8] (فاعل دولي غير مسلح)

§        المنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني (فاعل محلي غير مسلح)

§        التنظيمات الإسلامية الجهادية أو حركات المقاومة: وهي بحسب معيار التقسيم الأول فاعل مسلح. ولكنها بحسب المعيار الثاني تنقسم إلى فاعلين دوليين مثل: تنظيم القاعدة. وفاعلين محليين مثل: حزب الله في لبنان، وحركة حماس في فلسطين.

هذا هو الإطار التحليلي الذي يمكننا أن ننظر من خلاله لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، إذ هي فاعل من غير الدول مسلح ومحلي، تتوفر فيه كل السمات المميزة لهذا التصنيف؛ فهي مستقلة بدرجة كافية تمامًا عن سلطة الدولة (السلطة الفلسطينية أو إسرائيل)، تمتلك بنية تنظيمية صلبة، وتمثل جماعة معينة؛ وهي كل من يرفض الاحتلال الإسرائيلي ويدعو لمقاومته بالسلاح، وتمتلك هدف سياسي واضح تتغيا تحقيقه وهو تحرير الأرض الفلسطينية، وتملك من القوة (الصلبة في المقام الأول) ما يمكنها من السعي وراء هدفها، وهي من ثم فاعل مؤثر على الساحة السياسية الفلسطينية، بل تأثيرها ربما يمتد لمجمل الساحة السياسية الإقليمية. تمتلك حماس إذن كفاعل سياسي برنامجًا لسياستها الخارجية مع دول الإقليم وغيرها، كما تملك برنامجًا عسكريًا موجهًا حصرًا ضد المحتل الإسرائيلي.

في هذه الورقة سننظر في دينامكيات هذين البرنامجين من خلال جولة الصراع الجديدة التي اندلعت بين حركة حماس وإسرائيل في شهر يوليو [9]2014، والتي جاءت بعد مرور عامين على آخر جولة بينهما[10]. ولن يكون همنا في واقع الأمر رصد التفاعلات العسكرية في هذه الجولة، وإنما سننشغل بالتفتيش عن الدلالات السياسية المختلفة لهـا.

 

الداخل الفلسطيني: أزمة معممة

ما هو السياق السياسي الفلسطيني الذي اندلعت فيه هذه الجولة بين إسرائيل وحماس؟ لو عدنا خطوات للوراء قبل اندلاع هذه الجولة؛ سنجد أنفسنا أمام حدث المصالحة بين حركتي فتح وحماس في شهر إبريل 2014[11]، والحال أن هذه المصالحة تنبئنا عن مدى الأزمة التي تعصف بكل من فتح وحماس، كيف ذلك؟ ربما لم يأمل الفلسطينيون في شيء ويأسوا من تحققه مثل المصالحة الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس، ثمة محاولات فاشلة يتلوها محاولات أكثر فشلًا، وعبر وساطات متنوعة، مصرية حينًا وقطرية حينًا آخر، ولكن بلا جدوى، ربما كانت الخلافات بين الفريقين أكثر جذرية من أن تسمح بإجراء مصالحة حقيقية بينهما. فما الذي تغير إذن حتى يخرجا علينا باتفاق مصالحة قد تم توقيعه بلا صخب أو وساطات معلنة؟ إنها الأزمة التي جعلت الأرض تميد من تحت أقدامهما، بحيث لم يكن ثمة خلاص منها إلا باللجوء إلى المصالحة؛ فمن ناحية "فتح" كان الوضع كالآتي: الشيء الوحيد الذي تحاول السلطة الفلسطينية شرعنة وجودها به: هو إحراز أي تقدم في المفاوضات مع إسرائيل ضمن المسار العام لعملية سلام إسرائيلية فلسطينية، هي قد ماتت بالفعل[12]. والحال أن السلطة الفلسطينية قد وجدت نفسها في طريق مسدود؛ فالإستيطان مستمر على قدم وساق، والحكومة الإسرائيلية تبدي تعنتًا مخيفًا، ولا تنوي تقديم أية تنازلات، حتى مع ضغط إدارة أوباما عليها. لا أمل إذن في تحقيق أي إنجاز في عملية التفاوض، ليس ثمة مخرج في واقع الأمر سوى تحريك مياة الصلح الراكدة مع حركة حماس.

 أما فيما يخص الأخيرة: فبعد الإطاحة بحكم جماعة الإخوان المسلمين في مصر، ومجيء رجل عسكري يُكن لها قدرًا غير يسير من البغض، ضاع السند الذي كانت تعول عليه الحركة، خاصة بعدما تدهورت علاقتها مع طهران بسبب موقفها من الثورة السورية[13]. ثمة أزمة مركبة إذن تعصف بحماس، هذا هو وجهها السياسي. أما عن وجهها الاقتصادي، فتحت الحصار المضروب على القطاع، وبعدما دمر الجنرالات في القاهرة الكثير من الأنفاق الحدودية الواقعة بين مصر وغزة، وانخفاض الدعم المالي الإيراني، صارت حكومة غزة عاجزة عن دفع أجور موظفيها، الذين يقدر عددهم ب43 ألف موظف، وتدهورت الخدمات الصحية وخدمات الكهرباء في القطاع، ليس ثمة طريق إذن لحلحلة هذا الوضع المأساوي سوى تحريك مياه الصلح الراكدة مع حركة فتح.

بالفعل تم التوقيع على اتفاق الصلح، والذي يقضي بتشكيل حكومة وحدة وطنية من الخبراء اللامنتمين لكلا الحركتين، لتدير شؤون كل من الضفة والقطاع، إلى أن تجرى الانتخابات التشريعية والرئاسية فيما بعد، ومع أن بنود المصالحة لم تدخل حيز التنفيذ بعد، ولم تتعرض لكثير من التفاصيل التي يكمن فيها الشيطان على الدوام كما يقال، إلا أنها قد أثارت حنق الولايات المتحدة، لقد عدتها بمثابة خيانة من السلطة الفلسطينية لمسار عملية السلام. أما إسرائيل فقد اعتبرت الاتفاق بالرغم من تواضع الأثار العملية التي يمكن أن تترتب عليه، جرم لا يغتفر من قبل السلطة الفلسطينية، وقررت فرض عقوبات عليها (حجب نفقاتها على حكومة عباس)، والتوقف عن المضي قدما في سبيل المفاوضات، الذي كان غير مجديًا على أية حال. ومنذ ذلك الحين وإسرائيل غاضبة تمامًا.

لقد كان حدث المصالحة هو النقطة التي نبتت فيها جذور هذه الجولة الأخيرة من القتال بين إسرائيل وحماس، وما كان اختطاف الثلاثة مراهقين وقتلهم إلا تكئة اتخذتها إسرائيل لتنفيذ مآربها؛ لقد أرادت أن تهدم اتفاق المصالحة من القواعد، وتعيد عقارب الساعة إلى لحظة 2012؛ فبمجرد ظهور جثث اليهود الثلاثة قامت باعتقال معظم أعضاء حماس الذين حررتهم قبل فترة بموجب صفقة شاليط في 2011، ثم راحت تقصف حماس جوًا وبحرًا لتعيد إلى الأذهان عدوان 2012. ما الذي تريده إسرائيل حقًا من هذه الجولة؟ وماذا يمكن لحماس هي الأخرى أن تحصل عليه من ورائها؟

 

عدوان ومقاومة: مراوحة المكان

ما الذي كانت تريده إسرائيل تحديدًا عندما راحت تقصف غزة، ثم القيام بمهاجمتها بريًا؟ هل تريد إسرائيل أن تزيل حماس من الوجود؟ لو اتفقنا أن استيقاظ إسرائيل يومًا ما لتجد الأرض قد خلت من حماس هو أمنية عزيزة عليها؛ فإنه لا يسعنا أبدًا القول بأنها جعلت من تحقيق هذه الأمنية هدف عدوانها الأخير، لماذا؟ واقع الأمر أن تدمير سلاح حماس كلية سيحتاج إلى معركة دموية طويلة الأمد وغير مضمونة النتائج؛ سوف تستعدي إسرائيل العالم عليها أكثر، والأهم أنها ستتكبد خسائر فادحة جراء اجتياحها الكامل للقطاع، ستخسر الكثير من جنودها، وبالتالي ستخسر الغطاء الشعبي لحربها. وفوق ذلك لا تضمن أبدًا أنها قد تخلصت من حماس، ولن تكون لها حاجة في صافرات الإنذار، لأن الصواريخ لن تطلق عليها من غزة بعد اليوم. فحتى لو دمرت إسرائيل البنية التحتية لمؤسسات حماس، فستظل الحركة فاعلًا بقوة في السياسات الفلسطينية، ويمكنها أن تقوم بعملياتها ضد إسرائيل كما كانت تفعل بدون تلك البنية حتى انسحاب إسرائيل منها في 2005. علاوة على ذلك؛ ستجد إسرائيل نفسها - في اليوم الذي يلي سحقها المفترض لحماس - أمام وضع لا تحسد عليه؛ فها هي أصبحت مرة ثانية في وضع المحتل المباشر الذي تحرص بأشد الحرص أن تتجنب كلفته الباهظة؛ ستكون مضطرة وقتها أن تبحث عن قيادة فلسطينية للقطاع تحظى بقدر من الرضا الشعبي، وذاك في عداد المحال، وإن لم تجده سوف تترك القطاع بلا حكومة ، مما سيجعلها مرتع خصب للجهاديين أو حتى لدولة "داعش" الجديدة، وهؤلاء هم آخر من تود إسرائيل أن تراهم على حدودها، كبديل عن حماس.

ما الذي تتقصده إسرائيل إذن من هذه الجولة؟ كل ما دون القضاء على حماس، وأهمه:

أولًا؛ السعي قدر المستطاع لتدمير الأنفاق التي بنتها غزة لتصل من خلالها للعمق الإسرائيلي، إنها أنفاق متعددة المداخل والمخارج، وواسعة لدرجة تسمح بمرور شاحنة، القصف الجوي لن يضمن تدمير كل مداخل الأنفاق، ومن ثم عملية برية محدودة يمكنها أن تضمن تدميرها بدرجة أكثر.

ثانيًا؛ تدمير أكبر قدر ممكن من مخازن الأسلحة والصواريخ.

ثالثًا؛ مزيد من الضحايا المدنيين والذي ربما يساهم في رفع الغطاء الشعبي عن الحركة.

رابعًا؛ إسرائيل تطمع في أن تتسبب هذه العملية في خنق المصالحة الفلسطينية في مهدها،

هذا هو مقصد إسرائيل من العدوان، فكيف هو الأمر بالنسبة لحماس؟ قطعًا حماس تبادل إسرائيل نفس الشعور وتود أن لو صارت إسرائيل أثرًا بعد عين. لكن إذا كانت إسرائيل لا تتحمل تبعات القضاء على حماس، فإن حماس عاجزة بالفعل عن تدمير إسرائيل. في ماذا تطمع إذن حركة المقاومة؟ بداية حماس لم ترد أن تخوض معركة جديدة مع إسرائيل، هي قد أجبرت على الدخول فيها. لقد رأت أن إسرائيل قد عزمت على شن هجوم عليها بعد ظهور الجثث الثلاث، بغض النظر عن إطلاق حماس للصواريخ من عدمه، لم يكن ثمة بُد إذن من القتال. ولكن إذا كانت حماس قد انخرطت في هذا القتال رغمًا عنها، لماذا ردت بكل عنف على القصف الإسرائيلي؟ ولماذا تبدي قدرًا رهيبًا من التعنت أمام محاولات وقف إطلاق النار؟ خاصة إذا كانت هي موقنة من عدم قدرتها على تحقيق النصر في نهاية المطاف.

يمكن فهم ديناميكيات سلوك الحركة في هذه الجولة كالآتي: الحركة متيقنة من أن إطلاق النار سيتوقف يومًا ما، ولكنها تريد أن تضمن حصولها على أكبر قدر من المكاسب عندما يحدث ذلك، كيف سيتأتى لها ذلك؟ إنها سياسة السير نحو حافة الهاوية؛ حماس نعم لن تنتصر على الجيش الإسرائيلي ولكنها ستحاول إنهاكه ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا (ستزيد حدة هذا الإنهاك حال اجتياح الجيش الإسرائيلي غزة وخوضه حرب عصابات مع الحركة)، ثم هي ستكثف القصف الصاروخي (والذي يصل لأول مرة إلى العمق الإسرائيلي) مما سيربك المجتمع الإسرائيلي ويلقي في قلوب الإسرائيليين الرعب، هذا هو الهدف الرئيسي من القصف الصاروخي في واقع الأمر[14]. كل هذا سيزيد من كلفة العدوان الإسرائيلي ومن ثمة حينها وحينها فقط سوف تكون إسرائيل مرغمة على وقف إطلاق النار بحسب الكثير مما تمليه حماس من شروط، بدون هذا التصعيد من قبل حماس لن تكون إسرائيل مضطرة لمراعاة شروط حماس عند أي اتفاق لوقف إطلاق النار. ومما يشجع الحركة أكثر على سياستها هذه، كونها ليس لديها الكثير لتخسره بالفعل؛ فالأوضاع الإنسانية في غزة توشك أن تكون في الحضيض؛ ثمة نقص حاد في الأدوية والكهرباء والبنزين وغيرها من الحاجات، أيضًا هي عاجزة عن دفع رواتب موظفيها.

 ولكن ما هي الشروط التي ترغب حماس في إملائها عند أي اتفاق لوقف إطلاق النار؟ هي ببساطة تطمع في تحقيق أقصى ما يمكنها من مكاسب تجعل الحياة في غزة طبيعية: أي رفع الحصار وفتح المعابر للسماح بدخول أغراض البناء والسلع المختلفة والمواد الغذائية للقطاع، خاصة معبر رفح مع مصر (بعدما دمرت الأخيرة الأنفاق التي كانت تنقل عبرها السلع الضرورية لغزة) ثم هي تريد إطلاق سراح معتقليها لدى إسرائيل. وأن توقف الأخيرة حملات الاغتيال النوعية لقادتها العسكريين. الأمر يشبه كثيرًا ما حصلت عليه من موافقتها على وقف إطلاق النار في 2012 والذي تم برعاية مصرية حينئذ[15]. ولكن يا ترى برعاية من يمكن لحماس أن تحصل هذه المرة على اتفاقية كتلك؟

 

من حجارة السجيل للعصف المأكول: أين تقف القاهرة؟

ربما كانت مشكلة حماس السياسية الأكبر هو افتقادها لظهير سياسي عربي قوي يوفر لها غطاءًا سياسيًا. لا أحد يجرؤ على معاداة إسرائيل والولايات المتحدة التي تعامل حماس بوصفها كيان إرهابي. كانت الحركة في واقع الأمر تعول على إيران وحليفتها سوريا، لتوفير هذا الغطاء بقدر أو بأخر؛ سوريا كانت تأوي مكاتب وقيادات الحركة، وإيران توفر لها المال والسلاح، ولكن جاءت رياح الربيع العربي بما لا تشتهي سفن حماس، وكان عليها أن تكون في صف الثورة السورية ضد الأسد، ومن ثم أغضبت منها طهران بشدة، وكادت العلاقات بينهما أن تدهور تماما. ولكن كان ثمة ضوء في نهاية النفق بالنسبة لحماس؛ فربما كان في وصول جماعة الأخوان المسلمين للحكم في مصر عوضا لها عن كل خسارة، فهل حقا حدث هذا؟ بادي الرأي كان رحيل نظام مبارك المعادي للحركة ومجيء الإخوان للسلطة مكانه، يظهر كأنه نقلة جذرية تمامًا في علاقة حماس بمصر، ولكن عند التحقيق لم يمثل ذلك فرقا مذهلًا في واقع الأمر، لقد كانت عملية عمود الغمام أو قل حجارة السجيل بلغة حماس أول اختبار لمدى التغيير الذي يمكن لجماعة الإخوان أن تحدثه في طبيعة السياسات المصرية تجاه حماس؛ لم يكن بمقدور الرئيس مرسي (وحماس على يقين من ذلك) أن تقف بجانب حماس ضد إسرائيل كما ينبغي أن يحدث، لم يكن بوسع مصر الجديدة المثقلة بمشاكل إقتصادية وسياسية مريرة أن تناصب الولايات المتحدة العداء، وهي التي بذلت جهدًا مضنيًا لإقناعها بأن مصر لن تمس اتفاقية كامب ديفيد بسوء. إن آخر ما كانت تحتاجه مصر وقتها أن تناصب أحدًا العداء، حتى لو كان ذلك من أجل حماس. ما الذي أعطته مصر لحماس إذن؟ في مستوى ظاهري، بالغت مصر في نكيرها على إسرائيل، وأرسلت رئيس وزرائها لغزة وهي تحت القصف كآية على الدعم المطلق. ومعبر رفح كان بالفعل مفتوحًا، وقيادات حماس تتحرك بحرية في أرجاء القاهرة. أما بصورة جوهرية فلم تقدم مصر لحماس الكثير، هل زودتها بالسلاح للانخراط مزيدًا في قتال إسرائيل على سبيل المثال؟ أو هددت إسرائيل وأرغمتها على وقف العدوان وإلا ستخسر مصر وللأبد؟ لا ما فعلت هذا ولا ذلك وما كان ذلك بمكنتها أصلًا. أي فرق جوهري بالنسبة لحماس قد شكله وجود الإخوان في السلطة في مصر ما بعد مبارك؟ لقد استطاعت مصر أن تنجز اتفاقًا لوقف إطلاق النار ليس مفصلًا على رغبات إسرائيل تمامًا وإنما كان أيضًا منصفًا لحماس بدرجة أو بأخرى.

هذا هو موقف القاهرة وقتها، فكيف هو الآن بعدما أطيح بالإخوان من السلطة وجاء الجنرال السيسي من بعدهم؟ ثمة تقارير تؤكد وجود رئيس المخابرات المصري في تل أبيب في الليلة التي سبقت بداية العدوان الإسرائيلي على غزة[16]، ألا يذكرنا ذلك بلحظة 2008/2009 حين كانت تسيبي ليفني وزيرة الخارجية الإسرائيلية وقتها تقف في شرم الشيخ بجوار وزير خارجية مبارك في اليوم الذي سبق عملية "الرصاص المصبوب" على غزة؟ لقد عادت سياسات مصر تجاه غزة إذن إلى سابق عهدها، وبدى التحول (والذي لم يكن جوهريًا بصورة جذرية) الذي أحدثه الإخوان المسلمين في هذه السياسات قد ضاع تمامًا بمجئ السيسي إلى الحكم من بعدهم. تعاملت القاهرة بادئ الأمر ببرود شديد مع العدوان، ويكأن الأمر لا يعنيها في شيء. ثم بعد ذلك تشجعت وزارة الخارجية وقامت بإصدار بيان يطالب بوقف إطلاق النار، ويؤكد وقوف مصر بجانب الفلسطينين، ثم بيان مشابه على لسان متحدث باسم الرئاسة قد صدر ليذكر ما ذكره سابقه، فقط سيعلن أن مصر سوف ترسل مواد غذائية وطبية كمساعدات عاجلة لشعب غزة. يلاحظ أن التغيرات الخطابية التي كان الرئيس محمد مرسي قد طعّم بها الموقف المصري تجاه العدوان على غزة قد أزالها السيسي وأعاد الأمور لما كانت عليه. على حين غرة من أمرنا ستعلن القاهرة عن مبادرتها لوقف إطلاق النار (والتي كانت بضغط من واشنطن فيما يبدو) والتي ستعلن إسرائيل موافقتها عليها بسرعة مريبة، في حين أن حماس ستنفي بادئ الأمر أنه تم توجيه خطاب رسمي لها بالمبادرة، ثم بعد ذلك ستعلن بوضوح رفضها التام لما جاء فيها. أية مبادرة هدنة بين طرفين هذه التي لا ينبئ الوسيط فيها واحد منهما عنها شيئا؟ إنها مبادرة تلائم واحدًا منهما تمامًا وتظلم الآخر بلا شك.

قدمت القاهرة مبادرة تضمن لإسرائيل ما تريده: وقف إطلاق الصورايخ من غزة، ولكنها في المقابل لا تضمن لحماس أي شيء، فقط وقف العدوان عليها دونما حديث عن رفع الحصار وفتح المعابر وإطلاق سراح المعتقلين لدى إسرائيل. إنها صيغة كان على حماس أن ترفضها قطعا، ثم تسير بإسرائيل نحو حافة الهاوية، كيما تحصل على اتفاقية أكثر عدلا. يمكننا أن نفهم المبادرة المصرية بمعرفتنا أين تقف القاهرة تحديدًا هذه المرة؟ إن القاهرة تعامل حماس بوصفها جزء من جماعة الإخوان "الإرهابية" لا بوصفها جزءًا من الشعب الفلسطيني في غزة والذي يقدر بمليون ونصف نفس في واحدة من أكثر البقاع كثافة سكانية في العالم، محاصرون تمامًا من قبل إسرائيل وتقتل فيهم ليل نهار، لا تراهم القاهرة التي يحكمها الجنرالات هكذا، وعليه فإنها لا تنظر لإسرائيل كمعتدي يجب رده عن غيه، ولا لحماس وشعب غزة من خلفهم كضحية يجب نصرها، القاهرة تقف بجوار تل أبيب هذه المرة، وودت أن لو سحقت الأخيرة حماس وقضي الأمر.

من الذي بقي لحماس إذن بعد خسران القاهرة؟ بالنسبة للسلطة الفلسطينية والتي كان ينتظر منها بعد توقيع المصالحة أن تغير موقفها تجاه غزة، فقد خيبت آمال حماس تمامًا؛ فها هو عباس يتكلم بكلام بارد (كعادته دومًا في مثل هذا السياق) يساوي فيه بين إسرائيل وحماس، قائلًا أنه لا يعنيه من ينتصر، فقط يود أن تنتهي المجزرة. ولا يزال التنسيق الأمني مع إسرائيل على ما هو عليه في الضفة. ربما سيكون هذا الموقف من السلطة أول مسمار في نعش المصالحة بينها وبين حماس.

بقي لحماس إذن كل من تركيا وقطر، وحدهما يمكن أن يحلا محل القاهرة كوسيط أكثر عدلًا يمكنه أن ينجز اتفاقًا لوقف إطلاق النار لا يبخس حماس حقها. والحال أن إسرائيل تؤثر قطعًا القاهرة على كل من الدوحة وأنقرة، هى ترى أن أي اتفاق لوقف إطلاق النار تتوسط فيه القاهرة سيكون في صالحها أكثر من ذاك الذي تتوسط فيه تركيا أو قطر؛ فعلاقة إسرائيل بتركيا توشك أن تكون في الحضيض، وقطر تدعم الحركة صراحة وتأوي قادتها.

 

خاتمــــة

استغلت إسرائيل حادثة مقتل الإسرائيليين الثلاثة وهجمت عل غزة بغرض تدمير الأنفاق وأكبر قدر من مخزون صواريخ حماس. ردت الأخيرة بقصف عنيف وصل لعمق إسرائيل هذه المرة وشل الحياة في مدنها بطريقة شبه تامة. هذه حرب ليس فيها ثمة منتصر، وكلا الطرفان موقنان بذلك، كلاهما يأمل أيضًا أن يتم وقفها في أسرع وقت، وما التصعيد إلا بغرض حرص كل منهما على الوصول إلى اتفاقية لوقف القتال تكون في صالحه؛ إسرائيل تطمع في اتفاقية لا تعطي حماس أي شيء، بينما حماس تطمع في اتفاقية تعيد الحياة إلى طبيعتها في غزة على الأقل كاتفاقية 2012. وتكمن المشكلة في غياب وسيط مناسب لإنجاز اتفاقية يقبل بها الطرفان. مصر هي الخيار الأول، ولكن ليس من المرجح بحسب موقفها من العدوان حتى اللحظة أن تنجح في ذلك، ربما تحت ضغط من واشنطن وسعيًا منها للحفاظ على دورها التاريخي في هذه القضية، تلين ولو قليلًا تجاه حماس وتقدم لها اتفاقية معقولة. بالنسبة لتركيا؛ فهي وسيط مستبعد نظرًا لقتامة علاقتها بإسرائيل راهنًا. وتبقى قطر وسيط محتمل بشدة، يمكنه أن ينجز اتفاقية مقبولة في إطار دولي برعاية الأمم المتحدة وواشنطن. وإلى حين التمكن من إنجاز اتفاقية هذه الاتفاقية، من المرجح أن تستمر إسرائيل في عدونها على القطاع، وتستمر حماس في المقاومة.

 

 



[1]نسبة إلى مقاطعة وستفاليا الألمانية، وهو الصلح الذي تم في 1648 لينهي الحروب المريرة المعروفة بحرب الثلاثين عام والتي دارت بين ممالك الامبراطورية الرومانية، ويؤرخ به لتأسيس مبدأ سيادة الدولة.

[2]توماس هوبز (1588- 1679) الفيلسوف الإنجليزي الشهير، وكتابه الليفياثان أو التنين الذي ينظر فيه لسلطة الدولة المطلقة، مشبها إياها بالليفياثان وهو حيوان بحري أسطوري مخيف ذكر في الكتاب المقدس.

[3]للمزيد عما سأذكره راجع: William Wallace, Daphne Josselin (editors), non-state actors in world politics, Palgrave Macmillan, 2012

[4]حيث تم استخدام مصطلح الإرهاب بتعميم فظيع، وتم التعاطي مع الكثير من الفاعلين من غير الدول بوصفهم جماعات إرهابية.

[5]للمزيد عنها راجع: سعيد، محمد السيد، الشركات عابرة القومية ومستقبل الظاهرة القومية، سلسلة عالم المعرفة، عدد 107، نوفمبر 1986.

[6]وهم شكل حداثي للمرتزقة، لعل أشهرهم شركة بلاك ووتر الأمريكية.

[7]وهي منتشرة في كثير من دول العالم، مثل نمور التاميل وإيتا وحزب العمال الكردستاني، وغيرهمها.

[8] مثل الأمم المتحدة، ومجلس الأمن. مع لفت النظر إلى أن تلك المؤسسات تسيطر عليها القوى العظمة بطريقة تكاد تنسف سمة الاستقلالية وهي السمة الأهم للفاعل من غير الدول.

[9]اندلعت هذه الجولة على إثر اختطاف ثلاثة مراهقين إسرائلين في الضفة الغربية، بعدما فتشت عنهم إسرائيل باستماته وقلبت الضفة رأسا على عقب، واعتقلت جل أعضاء حماس بها، فشلت في العثور عليهم. بعدها تم إظهار جثث المختطفين الثلاثة، تم قتل طفل فلسطيني آخر كرد انتقامي، وبادرت إسرائيل بتحميل حركة حماس المسؤولية عن العملية، بالرغم من كونها ولا غيرها من الفصائل الفلسطينية أعلن مسئوليته عنها. شنت إسرائيل حرب جوية بدءا من 8 يوليو قتلت ما يقارب من 250 فلسطينيحتى الآن، وقابلتها حماس بقصفف صاروخي كثيف طال هذه المرة تل أبيب نفسها، لقد أطلق من غزة ما يقرب من 1700 صاروخ ولكنها لم تسفر إلا عن قتل مدني إسرائيلي واحد، وفي 17 يوليو قامت إسرائيل بتدشين عملية غزو بري للقطاع ومازالت مستمرة حتى كتابة هذه الورقة. وللمزيد راجع: العدوان الإسرائيلي الجديد على غزة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تقدير موقف، 10 يوليو 2014.

[10]وهي عملية عمود الغمام أو حجارة السجيل كما سمتها حماس، في نوفمبر2012.

[11]للمزيد عنه راجع: المصالحة الفلسطينية: دوافعها وآفاقها، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تقدير موقف، 28 إبريل 2014.

[12]للمزيد عنها راجع: ثياب الإمبراطور الخفية: الفلسطنيون ونهاية عملية السلام، مجموعة الأزمات الدولية، مايو 2012.

[13]عن موقف حماس من ثورتي مصر وتونس راجع: ضوء في نهاية النفق: حماس والانتفاضة العربية، مجموعة الأزمات الدولية، أغسطس، 2012.

[14]فحوالي 1700 صاروخ قد أطلقوا من غزة حتى الآن قد أسفروا عن مقتل مدني إسرائيلي واحد!

[15]للمزيد عنه راجع: إسرائيل وحماس: النار ووقف إطلاق النار في الشرق الأوسط الجديد، مجموعة الأزمات الدولية، نوفمبر 2012

[16]العدوان الإسرائيلي الجديد على غزة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تقدير موقف، 10 يوليو 2014

cialis dosage and frequency site cialis dosage recommendations
cialis dosage and frequency read cialis dosage recommendations
cialis dosage maximum cialis dosage for bodybuilding cialis dosage when
cialis dose 10 cialis dose mg cialis dosing information
sex problems with diabetes go maximum cialis dosage
sex problems with diabetes go maximum cialis dosage
acheter viagra generique europe acheter viagra generique europe acheter viagra generique europe
acheter viagra generique europe acheter viagra generique europe acheter viagra generique europe
cialis 10mg prix cialis 10mg prix cialis 10mg prix
viagra online billig http://viagrapillenkruidvat.com viagra prijs apotheek
cialis 20mg price best cialis price cialis price discount
discount drug coupons cialis coupons from lilly prescription drugs coupon
prescription coupons link cialis coupons from manufacturer
printable cialis coupon link coupon for cialis
discount card for prescription drugs free prescription cards discount discount prescriptions coupons
prescription drugs coupons cialis coupons free cialis coupons printable
prescription savings card is-aber.net cialis manufacturer coupon
prescription coupon card is-aber.net coupons for prescriptions
aidastella aidaprima aidadiva
voltaren duo link voltaren duo
buscopan 10mg twodrunkmoms.com buscopan wirkung
maps open mpa in n/mm2
maps click mpa in n/mm2
cipralex dosierung igliving.com cipralex alkohol
etodolac side effects markthrice.com etodolac 300 mg
euthyrox euthyrox 112 euthyrox wirkstoff
vaniqa comprar vaniqa chile vaniqa venezuela
levitra cena v lekarni go levitra smpc
radikale akzeptanz ourblog.bebrand.tv radikalische substitution
oxcarbazepine dosage click oxcarbazepine mylan
levitra 20 mg blog.tgworkshop.com levitra
the cost of abortion click depression after abortion



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة