في حرب الرموز... غزة انتصرت أيضا!

هشام المكي
1/28/2015


 أمطار الصيف، غيوم الخريف، الشتاء الساخن، الرصاص المصبوب، عامود السحاب... هي أسماء عمليات عسكرية متعددة شنتها إسرائيل على الشعب الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية.

ويعتبر العديد من المتخصصين أن لأسماء العمليات العسكرية الإسرائيلية أصولًا دينية توراتية، تشجع جنودهم وتدعمهم نفسيًا، وكأنهم يؤدون بعملياتهم تلك واجبًا دينيًا، ويحظون بمباركة الرب... كما أن العديد من أسماء المعارك الإسرائيلية تستمد من ظواهر طبيعية، في تشبيه لتلك العمليات العسكرية لفعل الإله ومشيئته.

ويعتبر اختيار أسماء المعارك من المهام الأساسية لدائرة الحرب النفسية في الجيش الإسرائيلي؛ والتي تختارها بعناية فائقة، محاولة تضمينها خصوصيات العملية العسكرية من جهة، وتلميحات دينية توراتية من جهة ثانية.. وكمثال على ذلك، عملية "عامود السحاب" مثلا، أو "آمود أنان"، وهي العملية العسكرية التي شنتها إسرائيل ضد غزة سنة 2012، واستمرت ثمانية أيام. حيث تظهر الدلالات التوراتية لتسمية "عامود السحاب" جد واضحة، إذ تحيل إلى "سفر الخروج"، وبالضبط إلى مشهد هروب اليهود من فرعون مصر، ودعم الرب لهم، الذي كان "يسير نهاراً"، "في عمود سحاب ليهديهم في الطريق"!

نلاحظ هنا كيف تتم صياغة عدوان إسرائيلي في صيغة دفاعية، موجهة إلى وجدان الجيش الإسرائيلي، حتى يتوهم انه يحارب في رعاية الرب، ويستلهم نصر اليهود على فرعون مصر، على أساس أن نفس السيناريو سيتحقق في المعركة الجديدة، وينتصر الإسرائيليون على الفلسطينيين الأشرار.. وتبدو صياغة العدوان الإسرائيلي في صيغ دفاعية أشبه بلازمة إسرائيلية سنعود لها لاحقًا، مع العدوان الأخير على غزة.

يبقى أن أشير إلى أن الجيش الإسرائيلي لا يوفق دوما في اختيار تسمياته، بل تعكس تسميات المعارك أحيانا حالة التخبط التي يعيشها الجيش حينما تتكسر أهدافه وأحلامه على صخرة المقاومة الفلسطينية الصامدة. هذا ما أمثل له بالعملية العسكرية الإسرائيلية السابقة "الشتاء الساخن" (2007/ 2008)، حيث أربكت المقاومة الفلسطينية الجيش الإسرائيلي، ونجحت مرات عديدة في إفشال خططه، ودفعته مرارا إلى إعادة حساباته؛ وهذا ما انعكس على تسمية العملية التي تغيرت أربع مرات متتالية، منذ سبتمبر 2007، من "القتال من بيت إلى بيت"، إلى "دفع الثمن"، ثم "خلع الضرس"، وانتهاء بـ "الشتاء الساخن" في مارس 2008.

- الجرف الصامد: سرقة شرعية المقاومة

وتأتي العملية الأخيرة بعنوان جديد: "الجرف الصامد" ("تزوك إيتان" بالعبرية)، والذي وإن كانت دلالاته التوراتية غير واضحة لي، إلا أنه لا يخلو من إيحاءات: فالجرف مكون جغرافي طبيعي، يقهر الإنسان بصعوبته، سواء حينما يحاول تجاوزه وتسلقه، أو لأن السقوط عن حافته يؤدي إلى الموت والهلاك... لذا فاستناد التسمية إلى مكون طبيعي، يضعها في دائرة المشيئة الإلهية: فالرب أوجد هذه المعركة مثلما أوجد الجرف، وهو يرعاهما معا.

 كما أن الجرف يكتسب دلالات دفاعية أكثر منها هجومية، هذا ما يؤكده الشق الثاني من التسمية: "الصامد"، فالصمود استراتيجية دفاعية في وجه تحد ما.

هنا يمارس العدوان الإسرائيلي سرقة فاضحة لشرعية المقاومة الفلسطينية؛ فهذه الأخيرة هي الصامدة أمام استعمار إسرائيلي بشع، يقوده جيش مجهز بأحدث الأسلحة، ضد شعب أعزل ومحاصر.. لكن الجيش الإسرائيلي، يسرق من المقاومة الفلسطينية صمودها، وينسبه إليه، فتحيل العملية العسكرية على القوة المطلقة، للجرف الذي تنكسر على حافته إرادة الإنسان، كما تحيل أيضا على معاني الصمود والمقاومة، وهي صفات تنفي عدوانية الهجوم الإسرائيلي وتوحي بأنه في موقف دفاع.

هذا المعنى الأخير، موجه نحو المجتمع الدولي لاستدرار تعاطفه، وهو ما يعمل عليه العدوان الإسرائيلي دوما، بما يسميه بالحرب على الإرهاب، إذ يصف هجوماته الإجرامية على الشعب الفلسطيني بأنها حرب على الإرهاب، في مغازلة ناعمة للخوف الغربي المتنامي من الإرهاب... لذا، فما تقوم به إسرائيل، هو الصمود في وجه الإرهاب الفلسطيني!

كما أن معاني الصمود المختزنة في التسمية، موجهة أيضا نحو الداخل الإسرائيلي، جرعة قوية لتهدئة المستوطنين الصهاينة، والذين لا يخلو مجتمعهم من بوادر الانهزامية والانشقاق التي رصدها الخبراء، ولتذكيرهم أيضا برعاية الرب لهم في صمودهم في وجه "الشر"، وهو ما أوضحته بخصوص العملية العسكرية السابقة "عامود السحاب".

في المقابل، ردت المقاومة الفلسطينية بتسميتين: "البنيان المرصوص" والعصف المأكول". وقبل تحليل التسميتين، نلاحظ أنهما تنهلان هذه المرة من مرجعية دينية واضحة، وهو ما لم يكن أساسيا في التسميات السابقة؛ فمن بين الأسماء التي أطلقتها حماس على عملياتها، نذكر: ثقب في القلب، السهم الثاقب، أيام الغضب، زلزلة الحصون، الوهم المتبدد، براكين الغضب، غضب الفرسان، وفاء الأحرار، بقعة الزيت...

فما دلالات التسميتين الجديدتين؟

- البنيان المرصوص: وحدة الصف الفلسطيني

في ما يخص "البنيان المرصوص"، هي التسمية التي أطلقتها سرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي على عمليتها، وذلك باستهداف مستوطنات إسرائيلية بـ 60 صاروخاً في دفعة أولى.

وتعود تسمية "البنيان المرصوص" إلى الحديث الشريف الذي يشبه فيه الرسول عليه السلام المؤمنين ببنيان متماسك، في دلالة على الانسجام والوحدة، وروح التضامن التي تجمعهم. ولعل لهذه التسمية دلالتين أساسيتين: الأولى هي وحدة الصف الفلسطيني، في وقت لا يدخر فيه العدو الإسرائيلي جهدا لتفتيت الوحدة الفلسطينية وعزل المقاومة؛ أما الدلالة الثاني، فهي قوة الدفاع الفلسطيني، الذي صار مثل حائط ردع قوي، تنكسر عنده كل محاولات الاختراق الإسرائيلية.

- العصف المأكول: سيناريو استراتيجي محكم

أما التسمية الثانية "العصف المأكول"، التي أطلقتها كتائب عز الدين القسام، وهي الذراع العسكري لحركة حماس، فسوف نقف عندها مطولا: فردا على العدوان العسكري الإسرائيلي "الجرف الصامد" الذي أطلقته إسرائيل بتاريخ الثامن من يوليو 2014، ردت حماس بعملية "العصف المأكول" لمواجهة العدوان. وهي التسمية التي ستكتمل لاحقا على مرحلتين:

- الأولى بعد يومين تحديدا (10 يوليو)، حيث أطلقت حماس اسم "سجيل 55" على الصواريخ التي قصفت بها مدينتي اللد والرملة لأول مرة.

- الثانية بعد أربعة أيام (14 يوليو)، حيث سيكتمل المشهد الرمزي حينما أطلقت كتائب عز الدين القسام اسم "أبابيل 1" على الطائرات بدون طيار التي أرسلتها لتحلق فوق وزارة الدفاع الإسرائيلية.

وهذا ما يبرز لمسة فلسطينية لا تخلو من جمالية، وإن كانت رسمت بلون دم الشهداء؛ إذ جاءت العمليات العسكرية الفلسطينية مستجيبة لمتطلبات المواجهة العسكرية من جهة، وهو ما يظهر في تغيير الاستراتيجيات وأسلحة المواجهة، كما جاءت أيضا كلوحة فنية بديعة تستلهم صورها من الصراع التاريخي القديم بين الخير والشر، والذي جسده النص القرآني في سورة الفيل.

تؤرخ السورة الكريمة للعدوان الذي قاده جيش الشرك بقيادة أبرهة، لهدم الكعبة المكرمة. وقد كان حينها جيشا لا يقهر، نظرا للعدد الهائل لجنوده، وتسليحهم المتطور، وأيضا لاستعانتهم بالفيلة، بضخامتها وقوتها الهائلة، وهي سابقة لم تعرفها شبه الجزيرة العربية في أي حرب سابقة.

فكل الحسابات المنطقية، سترجح كفة الحرب لصالح الجيش القوي... غير أن مسار الأحداث كان مفاجئا: فللبيت رب يحميه! وهزيمة تلك القوة الجبارة، جاءت من طيور صغيرة الحجم، ألقت عليها حجارة من سجيل، لم تكتف بهزم الجيش الجبار فقط بل مثلت به، وجعلته أشبه بعصف مأكول، وهو مصير مرعب، يردع كل من ستسول له نفسه المس بالكعبة الشريفة مستقبلا.

والمقارنة بين السورة الكريمة وسيناريو العدوان الأخير على غزة، يكشف عن تشابهات مذهلة:

فالجيش الإسرائيلي ضخم العدد بمقارنة بحجم المقاومة الفلسطينية، إذ لم يكتف الجيش الإسرائيلي بجنوده الأصليين، بل سيستدعي في أولى أيام المعركة أربعين ألفا من جنود الاحتياط، كما استدعى المزيد لاحقا. أما من حيث التسليح، فالكل يعلم القدرات التسليحية الهائلة التي يتمتع بها الجيش الإسرائيلي... وهذه المرة أيضا، كل التقديرات والحسابات المنطقية ستؤدي إلى نفس النتيجة: انتصار سهل ومضمون للجيش الإسرائيلي.

هكذا ستتقدم الجيوش الصهيونية بدباباتها المتطورة، في عدم تكافئ واضح مع المقاومة، والتي لا تمتلك سوى جنودها. في مشهد يذكرنا بجيش أبرهة الذي تتقدمه الفيلة. لتأتي هزيمة الشر هذه المرة من أضعف الخصوم: فكما أن الفيلة هزمت من قبل طيور صغيرة؛ فكذلك هزم الجيش الإسرائيلي من طرف قوة صغيرة، هم جنود المقاومة.

ومن الملاحظ أن الإعلان عن صواريخ "السجيل" سبق الإعلان عن طائرات "أبابيل" بأربعة أيام؛ وفي هذا انسجام مع مجريات الأحداث: إذ لم تلق الصواريخ من الطائرات بدون طيار، بل قذفها المقاومون الفلسطينيون البواسل، لذا هم "الطير الأبابيل"، رقم قلة عددهم وضعف تسليحهم، إلا أنهم أقرب إلى الطيور التي تعشق الحرية، والتي أجرى الله على أيديها هزيمة الشرك.

كما أن طائرات أبابيل، أنواع ثلاثة: صنف للتجسس، وآخر للهجومات الانتحارية، وثالث لإلقاء الصواريخ.

ما أريد قوله أن تسمية "الأبابيل" وإن كانت أطلقت صراحة على الطائرات المحلية الصنع التي أطلقتها المقاومة، إلا أنها تسمية تنسحب أيضا على جنود المقاومة، بدليل أن الصواريخ التي أطلقوها حملت اسم "سجيل 55" قبل إطلاق الطائرات.

هكذا سترتبط المقاومة بمعنيين: يحيل الأول منهما على الجيش المبارك الذي يحظى برعاية الله عز وجل ومباركته، وهي الصفة التي كان العدو الإسرائيلي يحرص دوما على إلصاقها بجنوده في كل عملية، لكن هذه المرة ستتقن المقاومة الفلسطينية انتزاع الصفة التي تستحقها بكل شرعية، خصوصًا وأن المقاومة الفلسطينية لا تحظى بأي دعم أو مساندة خارجيين، وهو ما يذكرنا بالعبارة التاريخية الشهيرة "للبيت رب يحميه"، فكتائب المقاومة تجسيد لإرادة الله عز وجل لحماية المسجد الأقصى المبارك.

أما المعنى الثاني الذي سيرتبط بالمقاومة، فهو معنى الحرية والانطلاق، المستوحى من الطير. وهو ما جسدته المقاومة فعلا على أرض المعركة... بل ألغت كل معالم الحصار المضروب على غزة. فلم تكتف المقاومة بامتلاك السماء، والتي امتلأت بصواريخها إلى درجة نجاحها في فرض حصار جوي على العدو، بل نجحت في أن تمتلك الأرض أيضا وتجول فيها بكل حرية.

وكنت في كل مرة أسمع عبارة "الاشتباك مع العدو من مسافة الصفر"، أتذكر الكتاب الشهير لرولان بارت، بعنوانه الغريب: "الدرجة صفر من الكتابة"، ولم أفلح في القبض على التشابه الذي كان يلح عقلي الباطن على تنبيهي إليه إلا مؤخرا: إنه التحييد. إذ تتحقق الدرجة صفر من الكتابة حينما ينجح المؤلف في تحييد الأسلوب المتوارث من المجتمع وكذا قوالب اللغة الجاهزة. كما تتحقق مواجهة العدو من مسافة الصفر حينما تنجح المقاومة في تحييد كل التفوق الاستراتيجي الإسرائيلي الناجم عن الحصار البري لغزة والدعم الجوي، وذلك بفضل الأنفاق التي جعلت من حصار غزة فائض حرية للمقاومة، مكنتها من التلاعب بالعدو كما شاءت، فتلتف الكتائب، وتهاجم، وتغير مواقع الهجوم، في منتهى الحرية واليسر، لينقلب السحر على الساحر، ويصبح العدو هو المحاصر.

عمومًا، لا تخلو حرب الرموز هذه من دلالات، أختمها بنجاح المقاومة في تحويل العدو إلى عصف مأكول، إلى كيان هش منزوع الإرادة في المواجهة، بعد أن استلمت المقاومة دفعة المعركة، ورفضت وقف إطلاق النار أكثر من مرة. كما نجحت المقاومة في التمثيل بالعدو وإذلاله، في هزيمة لن تنسى بسهولة، وستدفع كل من فكر في استباحة غزة إلى أن يراجع نفسه ألف مرة.

في أهمية الحرب الإعلامية والدبلوماسية

في الأخير، وأمام هذا الانتصار الرمزي و"السيميائي" لكتائب المقاومة، أُذكّر بأن أسباب هذا الانتصار تعود على الأقل إلى ثلاثة أسباب: أولها، التخطيط الجيد للمقاومة في اختيار التسميات والكشف عنها وفق سيناريو استراتيجي محكم؛ وثانيها، عدالة القضية الفلسطينية؛ وثالثها، إعجاز النص القرآني الذي نهلت منه المقاومة الفلسطينية مقابل النص التوراتي المحرف.

هذا النجاح الحالي، بالإضافة إلى الدعم الدولي الغير المسبوق هذه المرة للقضية الفلسطينية، والإدانة الواسعة للعدوان الإسرائيلي بشكل لم يحدث سابقا في تاريخ الصراع... كل هذا يدعو المقاومة إلى مزيد من الجهد لإدارة الحرب الإعلامية والدبلوماسية بتفوق وذكاء، والتفكير في صيغ استراتيجية لاستثمار هذا الرصيد الدولي من إدانة العدوان، فكما أقول دائمًا: عدالة القضية وامتلاك الحقيقة لا تكفيان، بل من الضروري الاشتغال جيدًا على صياغة الحقيقة وطريقة ترويجها.

cialis dosage maximum click cialis dosage when
acheter viagra en ligne securise acheter viagra en ligne securise acheter viagra en ligne securise
cialis generique en http://cialis20mgsuisse.com/generique/en cialis generique en
cialis generique en http://cialis20mgsuisse.com/generique/en cialis generique en
viagra side effects blood pressure viagra for sale uk how to buy viagra online
prescription savings card sporturfintl.com cialis discounts coupons
prescription savings card sporturfintl.com cialis discounts coupons
coupons for drugs free discount prescription card coupons for cialis
printable cialis coupon blog.suntekusa.com coupon for cialis
coupons for cialis 2016 open prescription drug cards
discount card for prescription drugs mha.dk discount prescriptions coupons
prescription drugs coupons cialis coupons free cialis coupons printable
prescription coupon card is-aber.net coupons for prescriptions
free discount prescription cards click coupons prescriptions
maps site mpa in n/mm2
cordarone kontrol celticcodingsolutions.com cordarone
etodolac recreational use etodolac uses etodolac 400 mg side effects
etodolac side effects site etodolac 300 mg
metformin realtycollective.com metformin alkohol
adalat compendium adalat adalate map
flagyl click flagyl for bv
allow allods online alloy
coupons for prescription medications new prescription coupons cialis coupon lilly
radikale akzeptanz ourblog.bebrand.tv radikalische substitution
discount card for prescription drugs emergent-ventures.com prescription discounts cards
oxcarbazepine dosage oxcarbazepine side effects oxcarbazepine mylan
levitra 20 mg levitra hap levitra
the cost of abortion farsettiarte.it depression after abortion
revia side effects http://naltrexonealcoholismmedication.com/ injections for alcoholics to stop drinking



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة