هل الغاية تبرر الوسيلة؟..

أحمد العصيمي
10/1/2012

لا يذكر هذا المبدأ عادة إلا قرن بالرفض والانكار، لما يرتبط به من معاني الدناءة والخسة.. وقد ربط هذا المبدأ بميكافيلي، والذي عبر به عن أن الغاية السياسيه  هي المحافظه على قوة الدولة، وعلى مصالح الامراء والتمكين بكل الوسائل حكمهم دون النظر الى كونهت اخلاقيه من عدمه... فشاعت معاني البطش والغدر والنفاق والمراوغة في هذا المصطلح، فكان من الطبيعي ان يتلقاها الناس بالاشمئزاز...

اما من الناحية العلمية الفقهية، فيحتاج هذا المصطلح الى تدقيق وتقييد، ان من المسلمات الشرعية ان المقاصد تؤثر في حكم الوسائل، وانما الخلاف في حدوده وشروطه...

فإذا كان من غير المقبول الاخذ بـ: ان الغاية تبرر الوسيلة على عمومه، فإنه من غير المسلم انكاره ورفضه.

واول ما يجب تبينه: أن ما اعتبره مكيافيلي غاية نبيلة، لا يعد غاية معتبرة شرعا، فليس من غايات المسلمين ارضاء الحكام وتعزيز قوتهم في التسلط، فإن غاية المسلمين ان تكون كلمة الله هي العليا لا كلمة الامير ودولته...

ثانيا: اما الادله على تأثير الغايات في حكم الوسائل وتبريرها:

فمنها: أ-"ما قطعتم من لينة او تركتموها قائمة على اصولها فبإذن الله" فتحريق البيوت وقطع الثمار عمل غير شرعي واخلاقي، ولكن جاز للمصلحة من اذلال اليهود واللقاء الرعب عليهم لخيانتهم العهد مع الرسول صلى الله عليه وسلم.

ب- وجاء في السنه جواز الكذب في ثلاث حالات لما فيها من مصلحة، مع ما جاء من عموم النهي عن الكذب والتوعد عليه.

ج- وكذلك جوز العلماء الغيبه في ستة مواضع لما فيها من المصلحه، مع انها من الكبائر.

د- ومن القواعد المقررة: ان الضرورة تبيح المحرمات، فأكل الميته محرم لكن يجوز اذا خيف الهلاك لغايته النبيله من حفظ النفس الانسانية، مع ان وسيلة الحفظ محرمة.

هـ- وكذلك: ماحرم لكونه وسيله للمحرام جاز للحاجه، مثل: لبس الحرير حرم من اجل كونه وسيلة للكبر والخيلاء، وجاز عند وجود حكة لبسه اذا كان  يخففها.

و الادلة كثيرة في اعتبار الغاية لتجويز الوسيلة...

ولكن ما كان مجال تنافس للاقران هو تحديد الضوابط والشروط من اجل الاخذ بهذا المبدأ...

فالحد الادنى لاعمال هذه القاعدة يشترط:

1- ان لا يكون هناك وسيله شرعية ممكنه بدل هذه الوسيلة المحرمة.

2- ان لا ينتج عنها مفسدة اعظم.

3- ان لا يكون بها تعدي او عدوان على حق احد.

4- ان تستعمل بقدر الملجأ لها.

5- كون الغاية والمقصد اعتبرة الشارع في الاحكام، حتى يصح النظر في هذه الوسيلة.

الامر الاخير ما دعاني لكتابة هذا: اهمية فقه هذا الامر وخصوصا في المسائل السياسية، والامور المتعلقة بالتعامل مع الناس...

فالنبي صلى الله عليه وسلم ترك بعض ما هم بفعله من اجل مصلحة تأليف الناس واجتماع كلمتهم، كما في تركه هدم الكعبة لكونهم حديثي عهد بكفر، وتركه قتل المنافقين مع علمه بهم لقصد جمع الناس وعدم اعطاء الفرصه لقيام دعاية اعلامية مضادة تدعي ان محمد يقتل اصحابه.

فمن اولويات أي تجمع انساني قل او كثر: هو الوئام والقدرة على التعايش ونزع فتيل أي امر يؤدي الى اقتتال وفرقه بين الناس. كذلك قيام العدل ورفع الظلم من استبداد وتسلط لا يفيد الا جهه محدوده...

فما كان من الوسائل المساعدة على مقاصد عظيمة وشريفة، سواءا كانت فعل او ترك يغتفر الخوض فيها، وان كانت منهي عنها في ذاتها والامثله كثيرة ...

ومنها: ماجاء في سيرة ابن تيمية لما كان يسير مع بعض اصحابه وقابلهم أحد الجنود التتار وكان يسكر فأرادو أن ينكرو عليه، فنهاهم عن انكار المنكر، وقال: أن سكره أقل ضررا من أن يفيق فيقتل المسلمين.

والمقصود التنبيه على عدم اهمال المقاصد العظيمة والشريفة لاجل ان وسائلها منهي عنها أومشكوك فيها باطلاق. والله تعالى اعلم.

أحمد العصيمي

Twitter:@a_alosimi



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة