قراءة في تحول جارودي من الإلحاد إلى الإيمان

سلمان بونعمان
8/4/2012

تحولات المفكرين  نحو الإيمان: (1-2)

أضحت ظاهرة المتحولين إلى الإسلام في الغرب ملفتةً للنظر، فأعداد الغربيين الذين أسلموا ويسلمون باتت مدهشةً للغاية، ولم يعد الأمرُ مقصورًا على فئةٍ دون أخرى، بل إنً المتحولين إلى الإسلام في الغرب ينتمون إلى الجنسين معًا، وإلى مختلف المستويات العلمية والأكاديمية.

فلم يعد اعتناق الإسلام محصورا في الدوائر الضيقة من بعض الفئات الاجتماعية العادية، بل أصبح يتغلغل داخل أوساط النخبة الغربية المثقفة. فخلال العقود الثلاثة المنصرمة دخل الإسلام العديد من المفكرين والمثقفين، من أدباء وفنانين وفلاسفة ومفكرين وأساتذة جامعات وسياسيين. نذكر منهم على سبيل المثال: الفيلسوف السويديِّ هوجان لارسون الذي أعلن عن إسلامِه في السويد مؤخرا، ونستحضر الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي، والعالم والطبيب الفرنسي موريس بوكاي، والكاتب النمساوي محمد أسد، والدبلوماسي والسفير الألماني مراد هوفمان، والمغني الإنجليزي كات ستيفنس(يوسف إسلام)، والداعية الإسكتلندي عبد القادر الصوفي، والكاتبة الأمريكية مريم جميلة، والدبلوماسي الانكليزي غي إيتون، والمستشرق الانكليزي مارتن لنغر، والكاتبة الانكليزية عايشة بويلي، والكاتبة الاسترالية جميلة جونز، والأنتروبولوجي الألماني أحمد فون دينفر، وأستاذ الرياضيات الأمريكي جيفري لانغ...وغيرهم كثير.

فقد أصبح يساهم هؤلاء في تطوير الفكر الإسلامي عموما من خلال كتاباتهم ومقالاتهم ومحاضراتهم، ويختص هؤلاء بنوع متميز من الأدب هو شهادات اعتناقهم الإسلام، وكيفية انتقالهم وتحولهم؛ يبرز ذلك من خلال سير حياتهم وكيفية تعرفهم إلى الإسلام، وسر انجذابهم له، غير أنه تختلف في هذه القصص نظرة كل فرد الخاصة إلى الواقع والمجتمع والمعايير والاختيارات. كما تتضمن قصصهم في الغالب نقدا عميقا للفكر المادي الإلحادي وللديانة المسيحية أو اليهودية، متفاعلين بعقول ناقدة ويقظة مع منتجات الحضارة الغربية وإشكالات الثقافة الأوروبية في مختلف الأبعاد الفلسفية والتاريخية والفكرية والسياسية.

إن نقد المعتنقين الجدد للمجتمع العلماني الغربي والثقافة الغربية يمثل قضية فكرية مركبة تعبر عن عمق الأزمة الفكرية التي يواجهها الفرد الغربي المعاصر، إذ ينتقدون المنظور المادي للمجتمع ويجادلون في نتائج عمليات العلمنة والتحديث والتمدن في المجتمع الغربي المعاصر، مفككين عجز المنظومة الغربية المادية عن إرضاء حاجات الإنسان الروحية. ومن ثم كان اعتناقهم للإسلام بوصفها فلسفة حياة كاملة عبارة عن إجابة مركبة على مشاكلهم المعرفية وأسئلتهم المتعلقة بهدف ومعنى الحياة الإنسانية، إذ منحهم الإسلام نظرة جديدة إلى العالم تفسر العلاقات المتبادلة بين الفرد والمجتمع والكون(1).

لقد بحث المفكرون الغربيون من علماء وفلاسفة ومثقفين عن نظرة جديدة للعالم عندما عجزت ثقافتهم ومجتمعهم وإلحادهم عن الاستجابة لحاجاتهم الفكرية وتساؤلاتهم الفلسفية. فإذا ما وجدوا أن نظاما فكريا معينا يمنحهم تفسيرات مقنعة وحلولا مقبولة للتساؤلات التي تشغل أذهانهم، وتزودهم بنظرة عالمية كاملة، فسينهمكون فيه، وسوف يستجيبون له، ويتفاعلون مع هذا النظام الفكري. وبعد ذلك، فلن يترددوا في تباع قواعده ومبادئه حتى لو أدى ذلك إلى أن يقودهم إلى اعتناقه(2).

وهكذا يبحث الإنسان الغربي في رحلته البحثية والقلقة عن رؤية جديدة للعالم، ومن ثم كان اعتناق الإسلام عندهم يعني الانفصام عن الرؤية المادية للعالم العاجزة عن تقديم أجوبة لقضايا الموت والحياة الآخرة وخلق الكون. وسنقتصر هنا على معلمين أساسين، كان لتحولهما إلى الإسلام أثرا كبيرا في الغرب والشرق، الأول هو الفيلسوف الفرنسي العملاق روجي غارودي، والثاني هو الدكتور السفير الألماني مراد هوفمان.

غارودي:  فيلسوف القرن العشرين بفرنسا

كان غارودي مشروع "مثقف القرن" بفرنسا لولا حدث قلب حياته رأسا على عقب هذا الحدث هو "اعتناقه الإسلام". سنتعرف على طبيعة هذا التحول، والانعطافات الأساسية فيه، ومنهج إدراك غارودي للإسلام بوصفه رؤية حضارية للعالم والمجتمع والدولة.  إن أهم ما في حياة "جارودي" ليس بالقطع تاريخه النضالي السياسي ضد النازية أو تمرده على قناعاته الشيوعية الموالية للاتحاد السوفيتي، ولكن في اعتباره من أبرز الفلاسفة في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي إلى غاية حلول الألفية الجديدة.

منذ سنة 1933 انتمى "روجيه غارودي" للحزب الشيوعي الفرنسي معتقدا "أن الشيوعية كانت الاختيار الوحيد الذي يطرح بديلا للخروج من أزمة الرأسمالية. كما كانت أفضل جبهة تقاوم هتلر والنازية في هذه الفترة، ففي فرنسا -على سبيل المثال- كان معظم المشتغلين بالكتابة والفنون وأساتذة الجامعات، وحائزي جائزة نوبل: إما أعضاء في الحزب الشيوعي أو أصدقاء للشيوعيين. وذلك بسبب الحالة السيئة التي نشأت عن أزمة الرأسمالية وتيار المقاومة لنازية هتلر"(3). وقد كان غارودي موقنا بأن الحضارة الغربية ستقود البشرية إلى مستقبل مدمر ما لم تنسجم مع الحضارات الأخرى. ليستنتج أن سر النجاة يكمن في الديانات..إنه نداء الإيمان، فالدين هو طريق للتفكير والاعتقاد.

وكان غارودي يبحث عن إيديولوجيا توفر السلام والأمن للبشرية، وتمنح الانسجام بين الأخلاق والسياسة، بين الروح والمادة، بين الفرد والمجتمع، بين الثقافات الغربية وغير الغربية؛ أي أيديولوجيا عالمية تضم كل البشر...دين يسمو فوق القومية والوطن واللغة والمستوى الاقتصادي للحياة..دين يمنح الحياة الإنسانية معناها الحقيقي، وقد وجد غارودي في الإسلام النموذج لنوع من الحوار التوفيقي الذي كان مشغولا به طوال ثلاثين عاما.

برز التوجه الماركسي بقوة في مقولات جارودي من خلال أطروحة الدكتوراه التي أحرز عليها في فرنسا والمعنونة ب"النظرية المادية في المعرفة"، فضمنها أدرج غارودي أهم الموضوعات التي تناولها "كارل ماركس" و"فريديريك انجلز" و"لينين" و"ستالين" و"ماوتسي تونغ" باعتبارهم شخصيات منظرة للفلسفة المادية، مؤكدا أن الفلسفة المادية علمية ترتكز على ثلاث أسس:

أولا- أن حوادث العالم هي الأوجه المختلفة للمادة المتحركة.

ثانيا- أن المادة هي الواقع الأول، وما إحساساتنا وفكرنا إلا نتاج الواقع وانعكاس له.

ثالثا- أن المعرفة المثبتة بالتجربة وبالممارسة العملية، يمكن أن تدمج بصورة تامة في العالم باندماجها في قوانينه، فتشكل مع باقي مكوناته وحدة تتفاعل معها في إطار التأثر والتأثير.

وعلى هاته الأسس التي تمثل القاعدة المادية لنظرية المعرفة مضى"جارودي" يتحدث عن الحركة وقوانينها العامة بوصفها العامل المحرك في عملية التغيير والتبدل والتحول. فمن منطلق المادية الجدلية، يرى أن الحركة كانت في الطبيعة قبل الحياة، وبالحركة تم الانتقال من المادة العضوية إلى المادة الحية، وفي هذا الإطار نجده يعتضد بنظرية "داروين" في التطور ليوضح أصل الحياة ونشوء الأجناس(4).

لكن غارودي منذ 1956 شرع في تأسيس حوار فكري مع الماركسية الجامدة التي تحجرت في قوالبها وأصبحت خارج الاستجابة لروح العصر. ولهذا نجده في السنة نفسها يمتنع عن إعادة نشر رسالته للدكتوراه"النظرية المادية في المعرفة"، ويتجه نحو البحث عن ماركسية منفتحة ذات طابع إنساني. وخلال سنوات الستينات يُصدر غارودي كتابا هاما في النقد الأدبي والفني عنونه به:"واقعية بلا ضفاف" منتقدا نظرية الواقعية الاشتراكية الكلاسيكية ومعترضا على فلسفتها التي تجمد الفنون والآداب، وتجعل من الالتزام بالنظرية أو المجتمع إلزاما حديديا صارما يخنق الإبداع الفني ويخمد أنفاسه(5).

وفي سنة 1966 أصدر غارودي كتابه"ماركسية القرن العشرين"، مؤسسا بذلك موقفا نقديا من مسلمات الماركسية الثابتة، متهما الماركسية بالتحول إلى دين رسمي ذي طقوس وأتباع، ومبرزا أن هذه المقولة مخالفة لقول انجلز:"نظريتنا ليست ناموسا إلهيا، ناموسا يجب حفظه عن ظهر قلب وترديده بصورة آلية، بل هي دليل عمل"، كما انتقد فيه الفهم الخاطئ لمقولة:"الدين أفيون الشعوب"، فالادعاء بأن الدين في كل زمان ومكان يصرف الإنسان عن العمل والكفاح متناقض تناقضا صارخا مع الواقع التاريخي(6).

يطرح غارودي في سياق مراجعاته للماركسية الجامدة، مقولة"لا دين أفيون للشعوب ولا إلحاد وضعي"، حيث يؤكد أن الحياة الأبدية -فيما وراء التاريخ ووراء هذه الحياة الدنيا- هي الأساسية. فلا دين أفيون يجري فيه تصور العلاقة بين الإنسان والله على نحو لا ينادي معه الإنسان الله ولا يلاقيه إلا في التخوم لا في المركز. ولا دين أفيون للشعوب: يتلبس شكل إيديولوجية، وشكل ميتافيزياء، لا شكل فعل وقرار وطريقة خلاقة للحياة. ولكن البديل عن دين أفيون للشعب ليس إلحادا وضعي النزعة؛ لأن الوضعية ليس هي العالم بدون الله فحسب، بل أيضا العالم بدون الإنسان. إن البديل الحقيقي هو إيمان مناضل وخلاق، لا يقصر الواقع على ما هو كائن فحسب، بل يضمنه أيضا جميع ممكنات مستقبل يبدو على الدوام مستحيلا في نظر من لا يملك قوة التأمل. فالإيمان يعني الأمل، مع ما يحمله من استكشاف الإمكانيات الكامنة وراء الواقع المباشر.

ويبرز ذلك غارودي بعمق وتفصيل أكثر في كتابه:"نحو حرب دينية" في سياقه مراجعته للماركسية، حيث اعتبر أن الإلحاد لم يكن مكوّنا ضروريا من مكونات الاشتراكية. كما أكد أن ماركس لم يقم بنقد فلسفي للدين، بل قام بنقد سياسي، مفسرا ذلك بقوله:"ففي نضاله من أجل الطبقات المستغلَّة والمضطهدة، اصطدم[ماركس] في أوروبا التي سيطرت عليها روح"الحلف المقدس"(بين كبار رجال الدين والأمراء ضد كل حركة ديموقراطية أو اشتراكية)، بدين يعلب، فعلا، دور أفيون الشعب"(7).

يقول غارودي في أول أيام المحاكمة متوجها لقاضيه وللجمهور الحاضر في قاعة المحكمة: "إنني أستاذ جامعي متقاعد، وكاتب ألفت 54 كتابا وترجمت كتبي إلى 29 لغة وقدمت عني 22 أطروحة جامعية، وقد قاومت النازية في أثناء الاحتلال، ونفيت طيلة 33 شهرا في الجزائر، وكنت عضوا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، لكنني فصلت من الحزب عام 1970؛ لأنني قلت إن الاتحاد السوفيتي ليس بلدا اشتراكيا، كما عملت 14عاما كنائب في الجمعية الوطنية (البرلمان) ثم اعتنقت الإسلام".

لخص غارودي في هذه الأسطر رحلة حوالي ثمانين عاما من البحث الفكري والعمل النضالي وفي قضية "المحاكمة بالذات" والتي انتهت بالقضاء على الصورة الإعلامية لغارودي واتهامه بمعاداة السامية. فقد تميز حياته ومسيرته الفكرية بالانتقال من أكثر من مدرسة وأكثر من منظومة فكرية إلى أخرى ومن نسق عقائدي إلى آخر، فغارودي الشاب الذي اعتنق البروتستانية في أول أيام حياته سرعان ما تخلى عن جزء منها ليعتنق الفكر الشيوعي وليصبح أحد أبرز المنظرين والمترجمين لأفكار كبار منظري الماركسية، لكنه عاد لينقلب على الشيوعية، ويتحول إلى اعتناق المسيحية الكاثوليكية لينتهي به المطاف إلى الإسلام.

وتمثل مؤلفاته ثلاث مراحل مهمة من حياته، فكُتب مثل "الإنسانية والماركسية "، و"أسئلة إلى سارتر"، و"كارل ماركس"، و"من أجل نموذج فرنسي للاشتراكية"، و"فكر هيجل"، و"ما هي الأخلاق الماركسية".. تشكل المرحلة الأولى لفكره الماركسي الشيوعي. أما المرحلة الثانية من المؤلفات فهي ما يمكن أن نسميها فترة الخروج من القمقم الشيوعي والتمرد على الماركسية نموذجها على سبيل المثال كتب عديدة مثل "الحقيقة كلها"، و"البديل"، وكتابه ذائع الصيت "نداء إلى الأحياء"، و"كيف أصبح الإنسان إنسانيا". في حين أن المرحلة الثالثة من المؤلفات يمكن أن نسميها المرحلة الإسلامية وأهم معالمها كتب من أمثال "وعود الإسلام"، و"الإسلام دين المستقبل"، و"الإسلام وأزمة الغرب"، و"هل نحن بحاجة إلى الله"، وطبعا كتابه الذي أدى به إلى المحاكمة "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية"، و"الأصوليات المعاصرة"(8).

إن أساس انجذاب غارودي للإسلام كان فكريا بالدرجة الأولى فالفيلسوف الذي تخلى عن المادية الجدلية ومن التفسيرات الأرسطية والهيجلية والماركسية للمجتمع وللاقتصاد والثقافة والفن وللكون بشكل أشمل والذي مر بتجارب دينية من البروتستانتية إلى الكاثوليكية وجد طريقا فلسفيا للإسلام وبنى اعتناقه للإسلام على رؤية نقدية للإنتاج الفكري الإنساني عامة، حيث يقول في حوار له مع المفكر البحريني محمد جابر الأنصاري: "الخطيئة الكبرى في الحضارة الغربية أنها اعتمدت صيغة النمو المادي التراكمي.. نمو الإنتاج ونمو الاستهلاك كمعيار أوحد للتقدم وللسعادة وللعمل الإنساني ولكن ماذا بعد؟ ماذا بعد المزيد والمزيد من إنتاج السيارات والماكينات وأجهزة الكومبيوتر؟ ماذا بعد المزيد والمزيد من البنوك والأرباح المالية؟ ماذا بعد المزيد والمزيد من المدن والطرق والمصانع؟ إلى أين سنصل بعد ذلك.. وأين النمو في القيم والأخلاق والمعاملات والسعادة الحقيقية؟"( مجلة الدوحة ديسمبر 1982 محمد جابر الأنصاري).

لقد وجد "روجيه جارودي" في الإسلام ما لم يجده في غيره من الإيديولوجيات والمعتقدات والأفكار والنظريات الفكرية التي تفرقت بين الكتب والمجلدات وبكلمات أكثر بساطة وفي حوار آخر له في مجلة الأمة القطرية يلخص جارودي أسباب انجذابه للإسلام قائلا: "إذا حكمت على الأمور في ضوء تجربتي الشخصية فإنني أقول: إن ما كان يشغلني هو البحث عن النقطة التي يلتقي فيها الوجدان بالعقل أو الإبداع الفني والشعري بالعمل السياسي العقيدي وقد مكنني الإسلام والحمد لله من بلوغ نقطة التوحيد بينهما ففي حين أن الأحداث في عالمنا تبدو عمياء متطاحنة وقائمة على النمو الكمي والعنف يروضنا القرآن الكريم على اعتبار الكون والبشرية وحدة واحدة يكتسب فيها الدور الذي يسهم به الإنسان معنى"( مجلة الأمة العدد 29السنة الثالثة – فيفري 1983)(9).

جاء إسلام جارودي بعد رحلة طويلة من الأسئلة المقلقة والبحث الطويل في حضارات وديانات العالم كله، يقول:"أحب أن أقول إن انتمائي للإسلام لم يأت بمحض الصدفة، بل جاء بعد رحلة عناء وبحث، ورحلة طويلة تخللتها منعطفات كثيرة، حتى وصلت إلى مرحلة اليقين الكامل، والخلود إلى العقيدة أو الديانة التي تمثل الاستقرار، والإسلام في نظري هو الاستقرار...بدا لي الإسلام حامل إجابة على أسئلة حياتي"(10).

وفي ظل غياب الغاية الإنسانية والإلهية يمكن للإسلام أن يقدم إلى العالم ما ينقصه، وهو إضفاء معنى للحياة، فالإسلام دين التوحيد. في حين أن العالم المعاصر عالم المنافسة والنمو الكمي والعنف تبدو فيه الأحداث حصيلة القوى العمياء المتصارعة، لكن يعلمنا القرآن الكريم النظر إلى الكون والبشر على أنهما كلّ واحد، ويعلمنا الله عز وجل   أن نرى في كل شيء وفي كل حدث آية من آيات الله رمزا لحقيقة أسمى هي حقيقة النظام الواحد للطبيعة والمجتمع ولأنفسنا؛ فكل شيء في العالم خاضع لإرادة الله؛ فالحجر في سقوطه والنبات في نموه والحيوان في غرائزه كلها خاضعة؛ غير أن هذا الخضوع لا ينبع من إرادتها فهي لا تستطيع الإفلات من القوانين التي تحكمها.

وقد بين غارودي تكريم الله للإنسان بإعطائه العقل مع الإيمان لنميز الخير والشر، فيقول:"إن الإنسان مسؤول مسؤولية كاملة عن مصيره، إذ في مقدروه أن يعطي شريعة الله أو أن يستسلم لها"، وينتقل جارودي إلى أن الإسلام لا يفصل بين الإيمان والعلم والتقنية، بل يجمع بينها في كل لا يتجزأ، ولا يفصل بين البحث عن القوانين والأسباب وبين البحث عن الغايات والمعاني(11).

إن رجلا في حجم "روجي غارودي" وهو الفيلسوف الذي سمي عقل فرنسا، بل عقل العالم الكبير الذي كتب عن نفسه بنفسه في سيرته، "سيرة شاهد القرن العشرين"، كيف يختصر مدخل القرآن بعيدا عن العقلية التجزيئية والتقزيمية، بعد تأملاته العميقة في القرآن الكريم وسياحته الفكرية والفلسفية فيه يقول: "قوام النظرية السياسية في الإسلام، الحكم لله وحده، وقوام النظرية الاقتصادية في الإسلام، الملك لله وحده. وقوام نظرية المعرفة في الإسلام، العلم لله وحده." وهو معرض الرد على هذا النزوع الإلحادي المتعجرف، الذي أوكس الغرب، طيلة قرنين، إذ اعتمدوا على أنفسهم، وأنكروا الحاجة إلى الغيب، والحاجة إلى سند ومدد فوقي خارج ذات الإنسان وعقله، وهو يشرح ضعف إنسان اليوم وانتكاسته. وعند سؤاله عن أسباب نجاح الإسلام، اعتبر غارودي أن ذلك يعود إلى ثلاثة عوامل هي: التجديد الروحي والثورة الاجتماعية والتغيير الثقافي(12).

المراجع:

-       عبد العتاق مخلص، شاهد من الغرب: ورقات تمهيدية لقراءة فكر جارودي، دار القرويين، الطبعة الأولى 2004.

-       هادي يحمد، تقرير الإسلام "قاتل" جارودي، موقع إسلام أولاين.

-       روجي غارودي، وعود الإسلام، ترجمة ذوقان قرقوط، مكتبة مدبولي، الطبعة الثانية، القاهرة، 1985.

-       روجي غارودي، محمد عثمان الخشت(إعداد) لماذا أسلمت نصف قرن من البحث عن الحقيقة، مكتبة القرآن، القاهرة، 1986.

-       روجي غارودي، النظرية المادية في المعرفة، ترجمة محمد عيتاني، دار المعجم العربي، بيروت، بدون تاريخ.

-       Roger Garaudy, Marxisme du xxe siècle, La Palatine, Paris-Genève, 1966.

-       --------------------, Grandeur et décadences de l'Islam, Alphabeta & chama, Paris (1996).

-       --------------------, Appel aux vivant, Edition du seuil, 1979.

-       --------------------,       Biographie du xxeme Siècle Le Testament philosophique de roger garaudy. Edition Tougui, 1985.

-       صلاح عبد الرزاق، اعتناق الإسلام أسبابه ودوافعه، منتدى المعارف، الطبعة الأولى، بيروت، 2010.

-       روجي غارودي، شاكر نوري(حوارات)، هذه وصيتي للقرن 21، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، بيروت، 2007.

-       مراد هوفمان، الإسلام كبديل، مكتبة العبيكان، الطبعة الثانية، 1997.

-       مراد هوفمان، الطريق إلى مكة، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى 1998.

 


الهوامش

1.      صلاح عبد الرزاق، اعتناق الإسلام، منتدى المعارف، الطبعة الأولى، بيروت، 2010. ص100.

2.      صلاح عبد الرزاق، ص108.

3.      صلاح عبد الرزاق، نقلا عن مصطفى حلمي، إسلام غارودي بين الحقيقة والافتراء، دار الدعوة، الطبعة الأولى، القاهرة، 1996. ص17.

4.      عبد العتاق مخلص، شاهد من الغرب: ورقات تمهيدية لقراءة فكر جارودي، دار القرويين، الطبعة الأولى 2004. ص62-63.

5.      روجي غارودي، محمد عثمان الخشت(إعداد) لماذا أسلمت نصف قرن من البحث عن الحقيقة، مكتبة القرآن، القاهرة، 1986. ص37.

6.      روجي غارودي، ماركسية القرن العشرين، ص147.

7.      روجيه غارودي، نحو حرب دينية: جدل العصر،  ترجمة: صياح الجهيم، دار عطية للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، بيروت، 1997.

8.      أنظر هادي يحمد، تقرير الإسلام "قاتل" جارودي، موقع إسلام أولاين.

9.      أنظر هادي يحمد، مرجع سابق.

10.  غارودي، محاضرة حوار الحضارات، ألقاها في الاسكندرية يوم 21-03-1983. نقلا عن روجي غارودي، محمد عثمان الخشت(إعداد) لماذا أسلمت نصف قرن من البحث عن الحقيقة، مرجع سابق.

11.  لماذا أسلمت، ص91.

12.  هذه وصيتي للقرن 21، ص103



التعليقات

تعليقات الموقع


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني      
نص التعليق    
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة